Tuesday, March 29, 2016

فجوة في رأس أحدهم

طلب حارس الأمن من السيارات المنتظرة أمام البوابة مغادرة المكان تحسبا لأي تصرفات غير محسوبة قد تصدر عن أهل المتوفي، وفي الداخل ذاع خبر أن سبب الإصابة الذي أدى للوفاة هو حادث دراجة بخارية.
القصة بدأت بحدوث هرج شديد في قسم الطوارئ بأحد المراكز العلاجية الكبرى، ولم تمض لحظات حتى اخترق سرير متحرك فناء الطوارئ مصحوبا بعدد من الشباب يدفعونه مهرولين باحثين عن الاتجاه المفترض أن يسيروا فيه، فتارة توجههم ممرضة للدخول في إحدى الغرف الملحقة بالطوارئ، وتارة أخرى يوجههم آخر إلى ممر في آخر الفناء، ثم يقابلهم أحد الأطباء ليعود بهم من جديد صوب غرفة أخرى، وهكذا...
كان واضحا أنه لا يوجد هناك من يعرف بالضبط المكان المفترض التوجه إليه، وربما لم يكن هناك من يعرف ما يجب عمله أساسا!
ويبدو أن أحد المصاحبين للحالة قد انتبه لذلك فلم يتمالك اتزانه وصرخ في وجه العاملين: "انتو مش عارفين شغلكم؟"
معذورون، فالحالة صعبة.
على السرير كان يرقد الشاب فاقدا للوعي تماما، وقد اختفت ملامح وجهه تحت سيل الدماء الذي يتفجر من رأسه المفتوحة، ليس جرحا عاديا، بل يبدو أن هناك إصابة كبيرة تركت فجوة في رأسه نتج عنها تهشم لعظام الجمجمة في خليط مخيف من الدماء والعظام و...
كان ينزف من كل فتحات رأسه بصورة تقتلع القلوب (الطبيعية).
لم يمض وقت طويل حتى استقر السرير المتحرك أخيرا وعليه الشاب المصاب في أحد الغرف ولحقه عدد من الأطباء والممرضات، وهناك على المكتب الأمامي للاستقبال جلست ممرضة شابة تتناول أطراف الحديث مع أحد العاملين بصورة مائعة، ثم انصرفت لتبحث عن شيء تأكله!
مضت دقائق، ليعرف الجميع بعدها أن ذلك الشاب المصاب قد فارق الحياة، لتبدأ بعدها مرحلة أخرى من البكاء والنحيب من رفاقه الذين اصطحبوه للمستشفى.
خيمت حالة من اللامبالاة على معظم العاملين، فيما بدا أنهم معتادون على مقابلة حالات كثيرة من هذا النوع، وبدأ رفاق الشاب المتوفي في الخروج تدريجيا حتى خلا فناء الطوارئ تماما منهم.
عندها، دار حوار قصير بين ممرضة من الممرضات الكبيرة وبين رجل من أهالي أحد المرضى الذين تصادف وجودهم أثناء ترديد الممرضة الكبيرة لعبارة "يستاهل، عشان أهله ماعرفوش يربوه":
-         الرجل: أنا لا اصدق ما أسمعه!!!،ما هذا الهراء الذي تقولينه؟
-         الممرضة (بكل ثقة): نعم، يستحق ما أصابه، ما دام أهله لم يحسنوا تربيته.
-         الرجل وقد احمر وجهه: لا يمكن أن تكوني في وعيك، لقد مات، هل تفهمين؟ مات، أي جرم قد ارتكبه هذا الشاب ليستحق الموت عقابا له على ذلك؟
-         الممرضة: إنه شاب منفلت، ركب دراجته البخارية وأخذ يلهو بها في الشوارع معرضا حياته للخطر، فمات، وهذه هي النتيجة التي يستحقها هو وأهله كنتيجة لسوء تربيته.
لم يصل الحوار بينهما إلى نتيجة، حيث ظل كل منهما على رأيه، الرجل مصمم على الاستنكار، والمرضة الكبيرة مصممة على رأيها أن الشاب المتوفي "يستاهل"!
وفيما بدا أن حجم الفجوة في الحوار الذي دار بين ذلك الرجل مع تلك الممرضة كان أكبر من حجم الألم الذي شعر به الشاب المتوفي لحظة سقوطه من على الدراجة البخارية، فقد كان من المؤكد أن تلك الفجوة في الحوار بينهما كانت أكبر وأكثر اتساعا من الفجوة التي كانت في رأس الشاب المتوفي...
بكثير!
#بلاعة_المجاري
#أي_تشابه_بين_أحداث_القصة_وبين_الواقع_غير_متعمد
#حدث_بالفعل_في_مكان_ما_في_المجرة

Wednesday, September 2, 2015

اللاجئون السوريون وعم عبده الجزار

موضوع أزمة اللاجئين السوريين على أبواب الاتحاد الأوروبي، وما مر من تحول واضح في طريقة استقبالهم ومعاملتهم هناك أرى أنها تؤكد وجها إيجابيا سمعته وعرفته عن الأوروبيين منذ سنوات.
المجتمع المدني في أوروبا (الغربية تحديدا) وصل إلى مرحلة متقدمة جدا من النهوض والعافية، يتيحان له أن يمارس دورا فعالا جدا في فرض إرادة المجتمع على الحكومات وأهل السياسة.
بصورة قريبة للأذهان، فالمجتمع المدني هناك يمكن أن نشبهه بعم "عبده الجزار"، رجل قوي الشكيمة عظيم البأس يهابه القاصي والداني، تتنوع أسلحته من الساطور إلى السكاكين متعددة الحدة إلى الجنازير والخطاطيف... إلخ، يمتلك صوتا جهوريا يخرج من حنجرة موجودة في رقبة واسعة القطر، تعتلي صدرا وكرشا يهابه الناظر إليه فيفكر ألف مرة قبل محاولة استفزازه!
عصبي بطبعه، انفعالاته غالبا ما تغلب عقله المتزن، لا يمكن أن يتحمل أن يرفض له أحد طلبا.
أما الحكومات وأهل السياسة في هذه البلدان فهم كحال حكومات الدنيا كلها، أقرب ما يكونون شبها بالست "مهزات المستحية" التي لا تخجل من العمل في أي مهنة شريفة، وأحلى من الشرف مافيش، تستحي فقط من الحق، وتقبل بالهز في أي مناسبة وبدون مناسبة، بارعة في شغل التلات ورقات وخبيرة بما يمكن أن يدور وراء الأبواب المغلقة، لا تحب العمل في النهار، تخشى مواجهة الناس إذا تكاثروا عليها، فخبرتها العظيمة مقترنة بالتعامل مع الأعداد القليلة من البشر، وفي الظلام.
هذا بالضبط ما نقلته لنا الأنباء الواردة من النمسا والمجر خلال الأسبوع الماضي، فقد تعنتت الحكومات الأوروبية في استقبال اللاجئين السوريين على أبوابها وعلى أرصفة محطات القطارات، مما نقل صورة بشعة لحال هؤلاء اللاجئين، وحاولت الحكومات اتباع السياسة المعروفة للست مهزات المستحية للتعامل مع تلك الصورة الدامية، تارة تحاول إخفاءها وتارة تحاول تبريرها وتفسيرها، غير أن تلك الصورة البشعة التقطها المجتمع المدني الأوروبي ليدق ناقوس الإنذار بالغضب، تماما كما يحدث عند عم عبده الجزار.
هنا زأرت الشعوب كما يزأر عم عبده الجزار تماما، وهنا بدأت الحكومات في تقمص أقذر أدوار الست المستحية، تورات عن الحشد واختفت حينما بدا أن الضوء مبهر، وفرضت الشعوب كلمتها وفتحت الأبواب أمام اللاجئين.
هذا الوضع أخبرني به كثير ممن أعرفهم من عوام الأوروبيين، فهم لا يحبون الحكومات وأهل السياسة، ويدركون جيدا أن لهم حساباتهم وأهدافهم الخاصة التي ليست بالضرورة أن تعبر عن رغبات الشعوب، لذلك فالمجتمع المدني القوي هناك يقف لهذه الحكومات بالمرصاد عندما تخالف رغباته ولا تعبر عن إرادته.
والأصل في الأوروبيين أنهم ودودون تجاه الغرباء بصفة عامة، لا يبغضونهم، ويتحرجون من تجاهل من طلب منهم المساعدة، ومثال ذلك ما قامت به سويسرا من استقبال النازحين اليهود من كل أوروبا في الحرب العالمية الثانية، رغم عدم تعاطفهم ثقافيا وعقائديا معهم آنذاك، لذلك نجد الأتراك والبوسنيين وغيرهم من الشعوب التي كانت مصدرا للاجئين في وقت من الأوقات، نجدهم يعيشون في سلام وسلاسة في وسط تلك المجتمعات.
لكن حذار من الإفراط في الأمل...
فإذا أردنا أن نحكم بهذا المنطق على تصرفات الأوروبيين تجاه ما يحدث من ظلم واضطهاد ومطاردات في كثير من البلاد الأخرى غير سوريا، سواء في المشرق العربي أو في بورما وأفريقيا الوسطى أو...، فإننا سنتفاجأ بردود أفعال غريبة، لا يمكن تفسيرها إلا إذا عرفنا...
أن عم عبده الجزار يحب النوم كثيرا!!!

Monday, December 8, 2014

أحبكم في الله...

اشتقت كثيرا إلى هذا المكان.
إلى هنا.
ولا أعرف متى سأعود إليه كما كنت.
ولكن ما هو مستقر في القلب.
هو أنني أحبكم جميعا في الله.

Wednesday, April 30, 2014

زجاجة مياه فارغة جدا

كنت قد كتبت في تدوينات سابقة عن ما قابلته من مواقف أثناء زياراتي لبعض المدن الأوروبية، وحكيت في تلك التدوينات عن بعض المواقف ونشرت فيها عددا من الصور التي حرصت على التقاطها في تلك الزيارات، ومن بين تلك التدوينات ما كتبته عن مدينة فرانكفورت وما شاهدته فيها من سلات للمهملات خاصة بكل نوع من النفايات، فهناك سلة للمهملات الزجاجية الخضراء وأخرى للزجاجات البيضاء وهكذا...
وما أعادني للكتابة في هذا الموضوع مرة أخرى هو موقف فوجئت به اليوم أثناء مرافقتي للسيد/ جيرهارد ماتياس في العمل اليوم، حيث يقوم بزيارة عمل إلى الشركة في هذه الأيام.
كنت أقف بجواره ولمحت عيناي زجاجة بلاستيكية فارغة من ذلك النوع المخصص للمياه المعدنية، زجاجة عادية جدا، ولكن هيئتها لم تكن عادية، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي تقع عيناي على زجاجة من هذا النوع بهذه الهيئة التي لا أستطيع أن أجد كلمة لوصفها، لذلك فقد قمت بالتقاط صورة لها ووضعتها هنا.
زجاجة المياه سيئة الحظ
سألت السيد/ ماتياس من باب المداعبة عن الخطأ الذي ارتكبته تلك الزجاجة حتى يفعل بها ذلك، فأجاب بأنه لم يفعل بها شيئا غير عادي، حيث أنه من المعتاد لدى الأوروبيين أن قوموا بضغط الزجاجات البلاستيكية بعد الانتهاء من استخدامها للوصول بها إلى أصغر حجم ممكن قبل أن يقوموا برميها في الأماكن المخصصة للمهملات.
ظننت أن تلك عادة شبيهة بما نقوم به في بلادنا أحيانا من تعمد تخريب المهملات حتى نمنع بعض المصنعين منعدمي الضمير من إعادة استخدام المخلفات قبل تدويرها.
ولكني فوجئت بتبرير السيد/ ماتياس لهذا التصرف.
فقد فاجأني بأنهم يعمدون إلى هذا الفعل حتى يقلصوا حجم تلك الزجاجات إلى أصغر حجم ممكن فلا تشغل حيزا كبيرا قبل رميها في سلات المهملات، مما يسمح لتلك السلات باستيعاب أكبر كمية من المخلفات!
أترك لكل من يقرأ هذه التدوينة المجال ليفكر ويستنتج السبب الذي يدفع هؤلاء القوم إلى التفكير في مصلحة المجتمع، حتى ولو كان ذلك عبر - أعزكم الله - سلة المهملات، ومقارنة ذلك بموقفنا في بلادنا من المجتمع ومن... سلة المهملات!
اللهم صلِّ على محمد صلى الله عليه وسلم...

Friday, November 1, 2013

اذكر الله...

اشتقت إلى هذا المكان الذي أحبه...
أحبه بشدة...
فهنا يمكنني أن أقول ما أتمنى قوله... دون فرط حساسية أعاني منها...
لكني وللأسف ما عدت أجد ما يحفزني للكتابة...
لذلك فسأكتفي بذكر الله... وما أعظمه...
وإلى اللقاء...
أسألكم الدعاء...

 

Tuesday, September 10, 2013

تعليق على مقال يوشكا فيشر عن مصر

قرأت مقالا لوزير خارجية ألمانيا السابق يوشكا فيشر بعنوان "صراع السيطرة على الشرق الأوسط" يناقش فيه الموقف في مصر باستفاضة، وقد استرعى انتباهي ذلك المقال وأخذ مساحة كبيرة من تفكيري، لدرجة أنني فكرت في كتابة تعليق مفصل على النقاط التي استوقفتني فيه، وقررت أن أشترك في موقع  بروجيكت سينديكيت المنشور فيه المقال حتى يمكنني نشر تعليقي هناك.
ولكن...
وبعد تجهيز التعليق، تراجعت في اللحظة الأخيرة، لعدم توفر ثقة كافية أن تعليقي يمكن أن يغير شيئا من قناعات القوم.
ورأيت أن أنشر التعليق هنا، ولمن يريد أن يقرا المقال فهذا رابط المقال:
 
 
1. It is really unfair to accuse both sides in Egypt of responsibility about violence. All evidences proved that the Islamists refuse violence and you can return to the death toll from both sides if you wish.
2. It is really jokey to say that the westerns have nothing to do now, while they did a lot in the near past pushing Egypt to recent deadly situation.
3. The majority of Egyptians think that any attempt to impose a social or political system on them will fail if it is not ideologically accepted.
4. Westerns have a lot to do trying to prove what they said that they need good for this region. It is so clear that the facts are in contrary to promises and speeches.
5. Is it really true that Americans need to withdraw from the region? Are they really searching for a successor? We do really not think!
6. It is clear that westerns believe that Arabs and Muslims refuse democracy and conversation, hence the solution is only in the hands of militaries. However, this is completely evidenced not true.
7. Also it is proved for several times that the Islamists can represent successful economic examples.
8. By end, the most of Egyptians believed in a bad rule for westerns in their country and this could be harmful for the future possible relation.

Thursday, August 22, 2013

بين حواري الذكريات (3) ... ثورة اليأس

لست من المستسلمين لليأس عادة، ومن الصعب إقناعي به، غير أن اليأس صخرة قاسية جدا، كثيرا ما تتحطم عليها آمالنا وأحلامنا، لنصطدم بعدها بحقائق مخيفة تحيطنا بها الحياة من كل جانب، وتكون النتيجة الحتمية هي انكسارات وشروخ في إيماننا بالمسلمات التي باتت تتعارض مع الواقع، بينما نتعرض لسيل من الاتهامات ممن يحيطوننا، اتهامات بأننا مفرطون في الرومانسية!
كان قد مضى على التحاقي بعملي بضعة أسابيع قليلة، كان مجال العمل ممتلئا بالغموض والتحدي ومحفزات الابتكار والبحث عن حلول لمشاكل غير تقليدية، وهو ما أظنه يتناسب تماما مع شخصيتي.
وبطبيعتي العلمية، فقد هداني تفكيري إلى الاستعانة بخبرات بعض من أساتذتي في الجامعة في حل بعض المشاكل التي قابلتها، أو الحصول على توصياتهم بطرق البحث، لذلك فقد قررت الذهاب في مأمورية إلى الجامعة لمقابلة الأساتذة ومناقشتهم.
كان قد مضى على تخرجي من الجامعة حوالي عامين فقط، ولمن لا يعرف طلبة كلية العلوم، فإنهم من النوع العشري، الذي يصعب أن تنقطع علاقتهم بجامعتهم غالبا.
صعدت إلى مكاتب الأساتذة وتناقشت مع بعضهم، غير أنني لم أصل لنتيجة مرضية، ويبدو أن الأساتذة يمكن الاستفادة منهم فقط في المحاضرات، فأخذت أدور في طرقات الكلية بحثا عن المجهول، ولكن لم يكن لليأس سبيل، إلى أن قادتني قدماي إلى أحد معامل الكيمياء، هناك حيث قابلت معيدا ممن درسوا لي أثناء دراستي بالكلية.
رحب بي، وتكلمت معه في بعض المشاكل التي جئت من أجلها، علمت أنه قد حصل على منحة دراسية وأنه يستعد للسفر قريبا للخارج لاستكمال دراسته.
استفضنا في المناقشة، وأظنه قد شعر مني بقدر من الإصرار على التعامل مع المشاكل وعدم الهروب منها، فوجدته يسألني عن مكان عملي ووظيفتي فيه، وأنهى حديثه معي بنصيحة قال أنها صادقة وأخوية، حيث طلب مني هذا المعيد أن أرحل من البلد!
وقال لي ما يفيد بأن السكة التي أسير فيها ستقودني يوما إلى الجنون إذا صممت على استكمالها، فهذا البلد لا مكان فيه للناجحين ولا لطالبي النجاح.
استقبلت كلماته باهتمام قليل حينها، ولم أكترث كثيرا بما قال.
وبعد حوالي إثني عشر عاما، أجبرتني ظروف العمل على القيام بزيارة بحثية شبيهة إلى المركز القومي للبحوث، لأقابل هناك مجموعة أخرى من الأساتذة، ولكن هناك فرق كبير بين الزيارة الأولى التي كانت بدافع شخصي وبين الزيارة الثانية التي كانت إجبارية، ولكنني في الزيارة الثانية شاهدت بعيني حقائق كثيرة تجاهلتها في الزيارة الأولى رغم أنها كانت ماثلة أمامي منذ البداية.
ترى هلى تسرب اليأس إلى نفوسنا؟ أم أننا كنا مدفوعين بثورة رومانسية ما لبثت أن هدأت لنصطدم بحقائق الأمور المخيفة؟

Tuesday, August 13, 2013

بين حواري الذكريات (2) ... ضربني بالأمس

سمعنا صرخة مدوية أتت من الغرفة المجاورة، تلاها صوت بكاء شديد مع صرخات متقطعة، بعدها بلحظات دخل علينا وهو يجهش بالبكاء واضعا إحدى يديه على مؤخرة رقبته.
بعدها بقليل دخل أخوه الأصغر "محمود" متوترا وجلس على أحد الكراسي المجاورة دون أن ينطق.
توجهت الأسرة بالكامل إلى "بسام" الذي كان ما يزال يبكي بحرقة، وبدأنا نتفقد رقبته من الخلف، فلاحظنا وجود نقطة سوداء غير طبيعية في مؤخرة رقبته من الأسفل، فحاولنا تهدئته لنفهم ماذا حدث.
بدأ "بسام" يهدأ قليلا ولكنه ما برح يضع يده على مؤخرة رقبته مكان تلك النقطة، وبدأ يشرح لنا كيف أن أخيه الأصغر "محمود" قد فاجأه بأن غرس سن القلم الرصاص في مؤخرة رقبته بينما كانا يلعبان معا، وهنا انفجر "محمود" بالبكاء هو الآخر، وبدا أنهما على وشك الدخول في مشاجرة تحت ستار من البكاء الحارق.
استمرت الأسرة بالكامل في محاولة تهدئة الطرفين، وبعدها توجهنا جميعا إلى "محمود" بالسؤال الطبيعي عن سر قيامه بهذا الفعل الجنوني، فما كان رد "محمود" إلا أن قام بتوجيه سؤال إلى أخيه المصاب "بسام":
ألم تقم بضربي بالأمس؟

Friday, May 24, 2013

من يوميات مسافر... سويسرا للمرة الأولى (3)... يونج فراو يوخ

كان السيد "رينر" يردد عبارة واحدة على أسماعنا كثيرا: "او كنتم محظوظون بما فيه الكفاية، فستكون الشمس مشرقة عندما نصعد الجبل!".
لم نفهم مغزى هذه العبارة إلا عندما صعدنا إلى الجبل المكسي بالجليد، هناك حيث تشرق الشمس لأيام قليلة جدا على مدار العام، وباقي الأيام تكون مختفية خلف الغيوم، وليس غريبا أن تهب العواصف الثلجية على تلك المنطقة التي تنخفض فيها الحرارة إلى ما تحت الصفر طوال العام!
تحركنا باكرا جدا إلى محطة القطار في "فينجين" مرة أخرى، حيث ركبنا القطار المتجه إلى الجبل.
كانت سكة الحديد مختلفة تماما عما عهدناه، حيث كانت مكونة من ثلاثة قضبان!! القضيبان المعروفان لنا جميعا، والقضيب الثالث في المنتصف بينهما عبارة عن قضيب مسنن تسير عليه عجلة خاصة تكون في منتصف القطار عبارة عن ترس، وفائدتها هو منع انزلاق عجلات القطار العادية على القضبان بسبب الميل الشديد الذي يواجهه القطار أثناء صعود الجبل أو الهبوط من عليه!
"يونج فراويوخ" كانت هي وجهتنا، وهي عبارة عن شبه هضبة جبلية على سفح جبل "يونج فراو"، الذي هو بدوره واحد من ثلاث قمم جبلية شهيرة تقع متجاورة في جبال الألب السويسرية: "يونج فراو" على ارتفاع 4581 متر فوق سطح البحر، و"مونخ" على ارتفاع 4107 متر فوق سطح وأخيرا "إيجار" بارتفاع 3970 متر فوق سطح البحر، والمنطقة بالكامل مسجلة ضمن التراث العالمي التابعة للأمم المتحدة!
مررنا أثناء صعودنا بمحطة للقطار كان التوقف بها إجباريا، حيث كانت تحتوي على متحف يشرح كيفية بناء تلك السكة الحديدية التي تصلنا بأعلى محطة قطار في القارة الأوروبية، وكيف أمكن بناؤها في تلك المنطقة الجبلية الوعرة، وتعرفنا هناك على أجزاء من القطارات الخاصة التي تسير عليها، والتي يطلق عليها "يونج فراو بان".
"يونج فراو يوخ" تقع على السفح بين جبلي يونج فراو ومونخ، هناك على ارتفاع حوالي 3471 متر حيث تقع محطة القطار الأعلى في أوروبا.
توقف بنا القطار في الطريق مرة أخرى، حيث أتيحت لنا في تلك المحطة النظر من شبابيك خاصة على الكتل الثلجية التي تحيطنا من كل جانب، وبعدها واصلنا الصعود بالقطار إلى أن وصلنا أخيرا، إلى "يونج فراو يوخ"!
وكانت المرة الأولى التي نشاهد فيها الثلج من حولنا من كل جانب بدون أي حائل، كل شيء أبيض، درجة الحرارة 2 تحت الصفر، وكنا فعلا محظوظين بسبب أن الشمس كانت مشرقة رغم تلك الحرارة المنخفضة!
قضينا هناك حوالي ساعتين نتنقل بين المناطق السياحية المتنوعة هناك، ونلتقط بعض الصور، وتحركنا إلى مكان يطلق عليه "سفنكس" أو "أبو الهول" وهو بناء أقامه السويسريون في تلك المنطقة ويستخدم في الاتصالات ويشبه إلى حد بعيد أبوالهول المصري المعروف!
هناك تعرفنا على ظواهر قابلناها لأول مرة، حيث كنت لا أقوى على فتح عيناي بسبب شدة أشعة الشمس المنعكسة من على سطح الجليد بزاوية ميل كبيرة، مما يمكن أن يصيبنا بعمى مؤقت، كذلك حاولت أن أمسك ببعض الثلج، فكادت يداي أن تتجمدا، وأخبرنا السيد "رينر" بأن نتجنب كثرة الإمساك بالثلج بسبب أن برودة الجو مع برودة الثلج قد تتسبب في جروح خطيرة باليد وهو ما يطلق عليه "عضة الثلج"!
بعد ذلك تحركنا بالقطار إلى متحف للثلج، والتقطنا بعض الصور هناك، حيث انتهت بطاريات الكاميرا بعد ذلك.
وكانت المحطة الأخيرة في تلك الرحلة عبارة عن تناول طعام الغداء على سطح مركب عائم في بحيرة في مدينة "إنترلاكن"، ولكننا كنا قد فقدنا قدرا كبيرا جدا من طاقتنا بسبب السير لمسافات طويلة وتسلق الجبال وطول السفر، حيث لم نكن نشعر بأقدامنا ونحن على سطح المركب، وكنا أقرب لفقدان الوعي!
وما هي إلا بضع ساعات حتى كان القطار قد عاد بنا مرة أخرى إلى حيث بدأت الرحلة التاريخية، إلى مقرنا في فندق بوكسرهوف، حيث شكرنا السيد "رينر" على تلك الرحلة التي لا يمكن أن ننساها أبدا.
والآن مع بعض الصور...
الجبل كما بدا لنا عند بداية الرحلة

سكة الحديد الخاصة ذات الثلاث قضبان

الثلج يزحف على الأراضي الخضراء

عندما تشاهد الجبال من أعلى

الكتل الثلجية من خلف الشبابيك الخاصة

سفنكس أو أبو الهول

صورة تجمعني مع صديق الرحلة م/ طارق فوق محطة "أبو الهول"

عندما كادت يداي أن تتجمدا

أمام طائرة الهليكوبتر المخصصة للطوارئ

العجلة الإضافية الخاصة بالقطار على شكل ترس

قضيب القطار الثالث وهو غارق بين الثلج

أحد مساقط المياه (شلال) على سفح أحد جبال لوتربونين

الثلج يحيطنا من جميع الجهات

قطار يحمل الإمدادات إلى يونج فراو يوخ

مساقط المياه عند خندق لوتربرونين

Sunday, May 19, 2013

من يوميات مسافر... سويسرا للمرة الأولى (2)... لوتسيرن ولوتربرونين

كان الوقت ما يزال مبكرا في صباح يوم السبت، حضر إلينا في الفندق السيد "رينر" وزوجته وابنه اليافع، واصطحبنا جميعا إلى محطة القطار، حيث ترك سيارته في مكان الانتظار العمومي الخاص بالمحطة.
كانت المرة الأولى التي أركب فيها قطارا في سويسرا، كان نظيفا جدا وراقيا جدا جدا، القطارات هناك تعمل بالكهرباء للحفاظ على البيئة.
حملنا القطار إلى سارجانز ومنها ركبنا في قطار آخر حملنا إلى زيوريخ، وهناك انتظرنا بضع دقائق لنستقل قطارا آخر إلى مدينة تقع في قلب سويسرا تسمى "لوتسيرن".
وهناك في لوتسيرن كانت المحطة الأولى من الرحلة، حيث أتيحت لنا فرصة ذهبية للتنزه في تلك المدينة الجميلة.
اصطحبنا السيد "رينر" إلى المتحف التاريخي هناك، وشاهدني لوحة فنية رائعة محفورة في أحد الكهوف تمثل أسدا ميتا، وبعدها كانت النزهة التاريخية لنا على الجسر الخشبي المغطى الشهير (جسر كابيل) الذي عند نقطة التقاء نهر ريوس ببحيرة لوتسيرن، وهو جسر جميل جدا يصل طوله حوالي 204 مترا، مصنوع بالكامل من الخشب وتغطيه النباتات والورود الجميلة جدا، ويقع في منتصفه تقريبا برج المياه الذي يعتبر رمزا لتلك المدينة الجميلة وأحد المعالم السياحية الرئيسية في سويسرا، وهو أقدم جسر خشبي في أوروبا وأقدم جسر معلق في العالم حيث يعود بناؤه إلى القرن السابع عشر.
لدي هواية قديمة بأن أقرأ ما يكتبه العامة على الجدران!! وهناك على جسر لوتسيرن ستجد عبارات مكتوبة ومحفورة على جدرانه بكل لغات الدنيا، ومن بينها اللغة العربية بالطبع، حيث لفت انتباهي عبارة جميلة جدا محفورة باللغة العربية على سياج الجسر، تعبر بصدق عن مدى الجمال المحيط بنا من كل الاتجاهات:
"اللهم إن كنت قد كتبت لنا أن نرى جنة الدنيا فلا تحرمنا من رؤية جنة الآخرة".
بعد تلك الجولة في المدينة ذهبنا لتناول طعام الغداء في أحد المطاعم السياحية المفتوحة في المدينة، لنبدأ بعدها الجزء الثاني من الرحلة إلى فينجين ولوتربرونين.
توجهنا إلى محطة القطار في لوتسيرن، حيث كان موعدنا مع سلسلة أخرى من القطارات التي ركبناها واحدا تلو الآخر إلى أن وصلنا إلى مدينة "فينجين" وهي مدينة تقع على سفح جبل من جبال الألب وترتفع عن سطح البحر أكثر من 1200 متر وتطل على أخدود جبلي عظيم يسمى "لوتربرونين".
لا يمكنني أن أجد كلاما يصف مدى الجمال والروعة التي شاهدناها في تلك المنطقة الساحرة، ولكنني أدعو من أراد الاستزادة لقراءة المزيد من المعلومات ومطالعة بعض الصور عن تلك المنطقة أن يزور موسوعة ويكيبيديا بالإنجليزية ويكتب في مربع البحث كلمة Wengen وكلمة Lauterbrunnen ويحكي لنا عما شاهده وقرأه هناك، وللأسف الشديد فإن الكاميرا التي كانت بصحبتنا لم تسعفنا لالتقاط كثير من أحداث تلك الرحلة.
وصلنا إلى محطة القطار في فينجين قبل المغرب ببضع ساعات (المغرب هناك يؤذن بعد التاسعة مساء)، حيث كانت النزهة التالية هي السير على الأقدام صعودا على منحدر جبلي لمدة حوالي نصف ساعة، وكانت نزهة في منتهى الروعة.
ما إن وصلنا إلى الفندق الخشبي في فينجين، حتى قمت بالحصول على حمام سريع واستبدال ملابسي، ثم خرجت في نزهة انفرادية للمراعي الجبلية المجاورة، حيث استمتعت بفترة من الاسترخاء والاستمتاع بالهدوء والطبيعة الخلابة.
لم نتأخر في النوم في تلك الليلة، حيث كان علينا الاستيقاظ مبكرا في اليوم التالي حيث الجزء الثالث من الرحلة في الصباح لنصعد الجبل إلى "يونج فراو يوخ" على ارتفاع أكثر من 4200 متر فوق سطح البحر!!
والآن مع بعض الصور لتلك الرحلة التاريخية التي لا تنسى (ملحوظة/ هناك صور كثيرة فقدتها!!!... ملحوظة2/ صوري هنا قبل أن أطلق لحيتي!!!)...
مع السيد/ رينر وابنه وفي الخلفية لوحة الأسد المقتول المحفورة في الجبل
في متحف لوتسيرن

على ضفة بحيرة لوتسيرن وفي الخلفية الجسر الخشبي المعلق

صورة من القطار أثناء مغادرة لوتسيرن متجهين إلى الجبل

أخدود لوتربرونين وفي الخلفية القمم الجبلية المغطاة بالثلوج

صورة من القطار للبيوت في فينجين

القمم المغطاة بالثلوج

صورة أمام الفندق في فينجين وفي الخلفية بيوت المدينة

صورة في الصباح الباكر لأشعة الشمس منعكسة من على القمم الجبلية المغطاة بالثلج المحيطة بمدينة فينجين

أما الفندق في فينجين مع السيد/ رينر

المراعي الخضراء في فينجين